عبد الرحمن السهيلي

274

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

وهي متناولة لها ، وللصلاة عليه على كل حال ، وأيضاً فإن الرب تبارك وتعالى ، قد أخبره أنه يصلي عليه وملائكته ، فإذا كان الرب تعالى هو المصلي والملائكة قبل المؤمنين ، وجب أن تكون صلاة المؤمنين تبعاً لصلاة الملائكة ، وأن تكون الملائكة هم الإمام ، والحديث الذي ذكرته عن الطبري فيه طول ، وقد رواه البزار أيضاً من طريق مرة عن ابن مسعود ، وفيه أنه حين جمع أهله في بيت عائشة رضي الله عنها أنهم قالوا : فمن يصلي عليك يا رسول الله ؟ قال : فهلا غفر الله لكم وجزاكم عن نبيكم خيراً ، فبكينا وبكى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إذا غسلتموني ، وكفنتموني ، فضعوني على سريري في بيتي هذا على شفير قبري ، ثم اخرجوا عني ساعةً ، فإن أول من يصلي علي جليسي وخليلي جبريل ، ثم ميكائيل ، ثم إسرافيل ، ثم ملك الموت مع جنوده ، ثم الملائكة بأجمعها ، ثم ادخلوا علي فوجاً بعد فوج ، فصلوا علي وسلموا ، تسليماً ، ولا تؤذوني بتزكية ، ولا ضجة ، ولا رنة ، وليبدأ بالصلاة علي رجال بيتي ثم نساؤهم ، وأنتم بعد اقرؤوا أنفسكم السلام مني ، ومن غاب من أصحابي فاقرؤوه مني السلام ، ومن تابعكم بعدي على ديني ، فاقرؤوه مني السلام ، فإني أشهدكم أني قد سلمت على من تابعني على ديني من اليوم إلى يوم القيامة ، قلت : فمن يدخلك قبرك يا رسول الله ؟ قال : أهلي مع ملائكة كثير يرونكم من حيث لا ترونهم . رزء أهل الإسلام بموته : فصل : وكان موته عليه السلام خطباً كالحاً ، ورزءاً لأهل الإسلام فادحاً ، كادت تهد له الجبال ، وترجف الأرض ، وتكسف النيرات ، لانقطاع خبر السماء ، وفقد من لا عوض منه ، مع ما آذن به موته عليه السلام من الفتن السحم ، والحوادث الوهم ، والكرب المدلهمة ، والهزاهز المضلعة ، فلولا ما أنزل الله تبارك وتعالى من السكينة على المؤمنين ، وأسرج في قلوبهم من نور اليقين ، وشرح له صدورهم من فهم كتابه المبين لانقصمت الظهور ، وضاقت عن الكرب الصدور ، ولعاقهم الجزع عن تدبير الأمور ، فقد كان الشيطان أطلع إليهم رأسه ، ومد إلى إغوائهم مطامعه ، فأوقد نار الشنآن ، ونصب راية الخلاف ، ولكن أبى الله تبارك وتعالى إلا أن يتم نوره ، ويعلي كلمته ، وينجز موعوده ، فأطفأ نار الردة ، وحسم قادة الخلاف والفتنة على يد الصديق رضي الله عنه ، ولذلك قال أبو هريرة : لولا أبو بكر لهلكت أمة محمد عليه السلام بعد نبيها ، ولقد كان من قدم المدينة يومئذ من الناس إذا أشرفوا عليها سمعوا لأهلها ضجيجاً ، وللبكاء في جميع أرجائها عجيجاً ، حتى صحلت الحلوق ، ونزفت الدموع ، وحق لهم ذلك ، ولمن بعدهم ، كما روي عن أبي ذؤيب الهذلي ، واسمه : خويلد بن خالد ، وقيل : ابن محرث قال : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليل فاستشعرت حزناً وبت بأطول ليلة لا ينجاب ديجورها ، ولا يطلع نورها ، فظللت أقاسي طولها ، حتى إذا كان قرب السحر أغفيت ، فهتف بي هاتف ، وهو يقول : خطبٌ أجلّ أناخ بالإسلام * بين النّخيل ومعقد الآطام قبض النبيّ محمدٌ فعيوننا * تذري الدّموع عليه بالتّسجام قال أبو ذؤيب : فوثبت من نومي فزعاً ، فنظرت إلى السماء ، فلم أر إلا سعد الذابح ، فتفاءلت به ذبحاً يقع في العرب ، وعلمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قبض ، وهو ميت من علته ، فركبت ناقتي وسرت ، فلما أصبحت طلبت شيئاً أزجر به ، فعن لي شيهم ، يعني : القنقذ قد قبض على صل ، يعني : الحية ، فهي تلتوي عليه ، والشيهم يقضمها حتى أكلها ، فزجرت ذلك ، وقلت : شيهم شيء مهم ، والتواء الصل التواء الناس عن الحق على القائم بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم أكل الشيهم إياها غلبة القائم بعده على الأمر . فحثثت ناقتي ، حتى إذا كنت بالغابة زجرت الطائر فأخبرني بوفاته ، ونعب غراب سانح فنطق مثل ذلك ، فتعوذت بالله من شر ما عن لي في طريقي ، وقدمت المدينة ولها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج ، إذا أهلوا بالإحرام ،